أخبار العالم

كيف بدأ الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي؟


الذكاء الاصطناعي

عبدالله محمود

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تكنولوجية جديدة أو سباقا بين شركات التكنولوجيا الكبرى، بل يتحول تدريجيا إلى دورة رأسمالية عالمية تتجاوز استثماراتها تريليون دولار، وتعيد تشكيل أولويات الدول والشركات وتدفقات رؤوس الأموال حول العالم. 

ومع ضخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والطاقة والبنية التحتية الرقمية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إحداث تحول اقتصادي مماثل لما أحدثته الكهرباء والإنترنت، أم أن العالم لا يزال في مرحلة بناء البنية الأساسية التي تسبق ظهور العوائد الإنتاجية الحقيقية.

تريليون دولار في سباق الذكاء الاصطناعي

قال المهندس هشام المهدي، مستشار تكنولوجيا إدارة الثروات في بنك أوديو تك، إن حجم الاستثمارات العالمية الحالية في الذكاء الاصطناعي أصبح قريبا من أحجام الدورات الرأسمالية التاريخية المرتبطة بتكنولوجيات كبرى، مثل الكهرباء والإنترنت وأشباه الموصلات والألياف البصرية.

وأوضح مستشار تكنولوجيا، أن تجاوز الاستثمارات حاجز التريليون دولار يعكس بالفعل دخول الذكاء الاصطناعي في دورة رأسمالية واسعة، إلا أن حجم الاستثمار وحده لا يكفي للحكم على تأثير التكنولوجيا في الاقتصاد العالمي، إذ يجب وضع هذه الاستثمارات في سياق الناتج المحلي الإجمالي وحجم الاقتصادات التي تستقبلها.

وأشار إلى أن نحو 43% من الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي تأتي من خارج الولايات المتحدة، بما يؤكد أن السباق لم يعد أمريكيًا بالأساس، وإنما أصبح ظاهرة استثمارية عالمية.

دورة رأسمالية تسبق التحول الإنتاجي

وأكد المهدي أن هناك فارقًا مهما بين الدورة الرأسمالية والدورة الإنتاجية، فالعالم يشهد حاليا إنفاقا ضخما على البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، لكن تأثير هذه الاستثمارات على الإنتاجية والنمو قد يحتاج إلى عدة سنوات حتى يظهر بصورة واضحة.

وضرب مثالا بالكهرباء، موضحًا أن المصانع بدأت في التحول إلى استخدام الكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر، إلا أن الأمر استغرق عقودا قبل أن تنعكس التكنولوجيا بصورة كاملة على خطوط الإنتاج والاقتصاد.

وبالمثل، فإن مراكز البيانات والرقائق وشبكات الطاقة تمثل البنية الأساسية للمرحلة المقبلة، بينما سيظهر العائد الاقتصادي الأكبر عندما تعيد الشركات تصميم عملياتها الداخلية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الإنتاج واتخاذ القرار والخدمات.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى منافسة بين الدول

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على المنافسة بين شركات التكنولوجيا الكبرى، بل تحول إلى منافسة استراتيجية بين الاقتصادات والدول، خاصة مع تزايد أهمية مفهوم السيادة الرقمية، حيث يؤكد المهدي أن الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطا أيضا بالأمن والدفاع والقدرات الاستراتيجية، وهو ما دفع الحكومات إلى التدخل عبر الاستثمارات والتشريعات وتطوير البنية التحتية.

وأشار إلى المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب دخول دول أخرى بقوة إلى السباق، ومنها السعودية التي تستهدف تعزيز موقعها العالمي في مجال أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كما شهدت المنطقة العربية استثمارات ضخمة في البنية التحتية المرتبطة بمراكز البيانات والطاقة اللازمة لتشغيلها، بما يعكس إدراك الحكومات لأهمية امتلاك البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي المقبل.

ومع ضخ الاستثمارات في مراكز البيانات والرقائق، تظهر تحديات جديدة قد تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي. ووفقًا للمهدي، فإن الطاقة أصبحت أحد أكبر العوائق أمام التوسع في الذكاء الاصطناعي، وربما أكثر أهمية من الرقائق نفسها.

وتستهلك مراكز البيانات كميات ضخمة من الكهرباء، ما يخلق منافسة على مصادر الطاقة، إلى جانب منافسة على المياه اللازمة لبعض عمليات التبريد، فضلًا عن الضغط على شبكات الكهرباء والبنية التحتية.

وأشار إلى أن هذه الاختناقات قد تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى، مثل العقارات والصناعات التحويلية كثيفة استهلاك الطاقة والمرافق التي لا تخدم مراكز البيانات.

هل يضغط الذكاء الاصطناعي على أسعار الفائدة؟

ومن بين التحولات اللافتة أيضًا انتقال عدد من شركات الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على التمويل الذاتي والاستثمارات المباشرة إلى الاقتراض، الأمر الذي قد يجعل هذه الشركات من بين أكبر المقترضين في الأسواق.

ويرى المهدي أن هذا الاتجاه يمكن أن يخلق ضغوطًا على أسعار الفائدة، بما قد يؤثر بصورة غير مباشرة على قطاعات أخرى تعتمد على التمويل، مثل العقارات والصناعات التقليدية.

وبالتالي، فإن تأثير طفرة الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على شركات التكنولوجيا، وإنما قد يمتد إلى أسواق الائتمان والطاقة والعقارات والمرافق وسلاسل الإمداد.

سرعة الاستثمار تطرح سؤال العائد

رغم أن حجم الاستثمارات الحالية يمكن مقارنته بدورات تكنولوجية تاريخية، فإن الفارق الأساسي يتمثل في سرعة ضخ رؤوس الأموال وقصر العمر الاقتصادي لبعض مكونات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأوضح المهدي أن خطوط السكك الحديدية والألياف البصرية يمكن أن تخدم الاقتصاد لعقود طويلة، بينما قد يكون العمر الاقتصادي للرقائق الإلكترونية أقصر بكثير، وهو ما يفرض على المستثمرين إثبات الجدوى الاقتصادية خلال فترة زمنية أقصر.

وتبرز هنا مفارقة مهمة؛ فقد يحقق بعض المستثمرين أرباحًا ضخمة، بينما لا يحقق الاقتصاد ككل العائد المتوقع، والعكس صحيح. واستشهد المهدي بتجربة الألياف البصرية في تسعينيات القرن الماضي، حيث انهارت استثمارات ضخمة في القطاع ولم تحقق عوائد فورية، لكن البنية التحتية التي أنشئت آنذاك أصبحت لاحقًا أساسًا مهمًا للإنترنت الحديث.

ولا يرى المهدي أن نجاح الذكاء الاصطناعي يجب أن يقاس فقط بأرباح شركات التكنولوجيا أو ارتفاع قيمتها السوقية، وإنما بمدى قدرة الاقتصاد الأوسع على تحويل التكنولوجيا إلى زيادة حقيقية في الإنتاجية.

وأوضح أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كمساعدات رقمية أو منصات للمحادثة يمثل خطوة أولى، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول اقتصادي واسع.

ويكمن التغيير الحقيقي في إعادة تصميم الشركات لعملياتها الداخلية، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من طريقة الإنتاج واتخاذ القرارات وإدارة الموارد، وهو ما يتطلب تغييرًا في هيكل الشركات وفي طريقة تفكير المديرين ومتخذي القرار.

وأشار إلى أن العالم لا يزال يناقش، بعد نحو ثلاثة عقود من انتشار الإنترنت، مدى جاهزية الشركات للتحول الرقمي، وبالتالي فإن التحول نحو ما يمكن تسميته التحول الذكائي قد يحتاج إلى عدة سنوات قبل أن تظهر نتائجه بصورة كاملة.

ويرى المهدي أن هذا الخوف مشروع بالنسبة للشركات، لأن التطورات في الذكاء الاصطناعي قد تغير تركيبة الأسواق بسرعة، ما يجعل الشركات التي تتأخر في تبني التكنولوجيا عرضة لفقدان قدرتها التنافسية.

في المقابل، يرى أن الاعتقاد بأن الفرصة ستفوت بالكامل ليس دقيقًا، إذ لا تزال دورة الاستثمار في بدايتها، وقد تحتاج الصناعة إلى استثمارات إضافية ضخمة خلال السنوات المقبلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق