أخبار العالم

السوق العقارية تحت الرقابة.. هل تبدأ مصر إعادة ضبط العلاقة بين المطور والمشتري؟


السوق العقاري المصري

لم يعد تأخر تسليم الوحدات العقارية مجرد خلاف بين مشترٍ وشركة، بعدما تحولت شكاوى المتعاملين إلى ملف يفرض نفسه على أجندة الدولة، فالمشتري الذي يواصل سداد أقساطه في مواعيدها، بينما ينتظر وحدته لسنوات، يجد نفسه أمام معادلة مختلة تحتاج إلى إعادة نظر.

من هنا جاءت التوجيهات الرئاسية الأخيرة لتفتح الباب أمام رقابة أكثر صرامة، وتعيد طرح سؤال أوسع “ كيف يمكن ضبط سوق يزداد اتساعًا دون الإضرار بالمطور الجاد؟”.

توجيه رئاسي لحفظ الحقوق

بدوره وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي، يوم قبل الاثنين، بتشكيل لجنة تتولى تفقد المشروعات العقارية الجاري تنفيذها في مختلف محافظات الجمهورية، للتأكد من تسليم الوحدات في المواعيد المحددة دون تأخير، واحترام العقود المبرمة مع المشترين، واستكمال أعمال البنية الأساسية، مع محاسبة المخالفين ورفع تقارير دورية إلى الرئيس بشأن الإجراءات المتخذة.

التوجيه الرئاسي وضع ملف تأخر المشروعات والتعثر العقاري أمام اختبار عملي، لا يقتصر على معرفة نسب الإنجاز، وإنما يمتد إلى فحص مدى التزام الشركات بما تعهدت به للمشترين، ومع اتساع حجم السوق، يصبح التأخير أكثر من مجرد مشكلة تنفيذية، لأنه يمس مدخرات مواطنين يرتبطون بعقود وسداد مستمر، في الوقت الذي تتأثر فيه ثقة العملاء بالسوق ككل.

وتأتي أهمية التحرك أيضًا من طبيعة العلاقة القائمة بين طرفي السوق، فالمطور يحتاج إلى مساحة كافية للعمل والاستثمار ومواجهة تقلبات التكلفة والتمويل، بينما يحتاج المشتري إلى ضمانات حقيقية بأن الأموال التي دفعها ستترجم إلى وحدة بالمواصفات المتفق عليها وفي الموعد المحدد.

ولذلك فإن ضبط السوق لا يعني التضييق على الشركات، بقدر ما يعني وضع قواعد تمنع تحول التعثر إلى أزمة يتحمل تبعاتها طرف واحد.

رقابة مبكرة تحمي الحقوق

وفي هذا السياق، رأت النائبة نجلاء العسيلي، عضو مجلس النواب، أن التوجيه الرئاسي يمثل خطوة مهمة لتعزيز الرقابة على السوق وحماية حقوق المواطنين، مؤكدة أن المتعاقد على وحدة يجب أن يحصل عليها في الموعد المحدد وبالمواصفات والخدمات المتفق عليها.

وأوضحت العسيلي، في بيان نشرته على حسابها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، أن مهمة اللجنة ينبغي ألا تتوقف عند حصر المشروعات المتأخرة، وإنما تمتد إلى بناء آلية مستدامة لرصد مؤشرات التعثر مبكرًا والتدخل قبل تفاقم المشكلات، مع متابعة البنية الأساسية والمرافق والخدمات، باعتبار أن الالتزام التعاقدي لا ينتهي عند تسليم الوحدة وإنما يشمل توفير مجتمع عمراني متكامل.

وتطرح رؤية العسيلي بذلك جانبًا مهمًا في المعادلة: أن تكون الرقابة وقائية وليست مجرد رد فعل بعد وقوع الأزمة، مع التفرقة بين مطور يواجه ظروفًا طارئة يمكن التعامل معها، وآخر يثبت إخلاله بالتزاماته، بما يسمح بحماية المواطن دون تحميل الشركات الجادة أعباء لا ترتبط بأدائها.

تنظيم السوق العقارية

أما النائبة ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ، فذهبت إلى أبعد من المتابعة الميدانية، وربطت التوجيه الرئاسي بمطلب سبق أن طرحته برلمانيًا.

وقالت، في تصريحات صحفية، إن ضبط السوق لا يعني التضييق على المطورين، وإنما إقامة قواعد واضحة وعادلة تحمي المواطن وتدعم استمرار الاستثمار.

وتكتسب رؤية هرماس أهمية إضافية لأنها كانت قد تقدمت في أبريل بطلب مناقشة عامة إلى الحكومة بشأن تنظيم نشاط التطوير العقاري، وتناولت فيه تحديدًا مشكلات تأخر التسليم وعدم الالتزام بالمواصفات، ودعت إلى إطار قانوني أكثر شمولًا ينظم العلاقة بين المطورين والعملاء، خاصة في حالات البيع على الخريطة، مع تعزيز الرقابة على الشركات العاملة في السوق.

وبذلك لا ترى هرماس أن اللجنة الرئاسية تحل المشكلة وحدها، وإنما تعتبرها خطوة ضمن مسار أوسع يحتاج إلى قواعد دائمة لتنظيم السوق، وسرعة فحص شكاوى المواطنين، والتعامل الحاسم مع حالات الإخلال بالتعاقدات، بالتوازي مع مساندة المطورين الملتزمين.

مقترح برلماني لتنظيم السوق العقارية

ومن زاوية أكثر ارتباطًا بشكل السوق نفسه، طرح المهندس ياسر قورة، عضو مجلس الشيوخ، فكرة إنشاء هيئة مستقلة ومتخصصة لتنظيم السوق العقارية، معتبرًا أن توجيه الرئيس يمثل خطوة نحو إحكام الرقابة ورفع مستويات الانضباط والشفافية داخل القطاع.

وقال قورة، في تصريحات صحفية، إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من المتابعة المؤقتة إلى إطار مؤسسي دائم يتولى تنظيم السوق ومراقبة أداء أطرافها.

ويقدم مقترح قورة تصورًا أوسع لطبيعة الرقابة المطلوبة، إذ يرى أن الجهة التنظيمية المقترحة يمكن أن تتابع المشروع منذ حصول المطور على الأرض وإجراءات الترخيص، مرورًا بمراحل التنفيذ، وصولًا إلى التسليم، مع التأكد من تطابق ما يحصل عليه المواطن فعليًا مع ما جرى الاتفاق عليه في العقد.

كما يدعو المقترح إلى وضع قواعد أكثر وضوحًا لتصنيف المطورين وفقًا لقدراتهم المالية وسابقة أعمالهم وحجم مشروعاتهم، بما يساعد المواطن على تقييم مخاطر الشراء، ويميز بين الشركات القادرة على تنفيذ التزاماتها وتلك التي قد تتجاوز قدراتها التمويلية حجم المشروعات التي تطرحها.

واللافت في مواقف النواب الثلاثة أن المقترحات، رغم اختلاف زواياها، تلتقي عند نقطة واحدة، فالمطلوب ليس فقط التعامل مع المشروعات المتعثرة، وإنما منع التعثر قبل حدوثه وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمطور.

فالعسيلي تركز على الرقابة المستمرة ورصد التعثر مبكرًا، وهرماس تربط الملف بالحاجة إلى إطار تشريعي ينظم العلاقة بين أطراف السوق، بينما يدفع قورة باتجاه إنشاء جهة مؤسسية متخصصة تتولى التنظيم والرقابة منذ بداية المشروع وحتى التسليم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق