أخبار العالم
مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب أولوية استراتيجية للمصارف العربية | تقرير

محمد الأتربي رئيس اتحاد المصارف العربية:
مكافحة غسل الأموال أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني
البنوك المراسلة تضع قوة الامتثال والحوكمة في صدارة تقييم شركائها
الأصول الافتراضية والذكاء الاصطناعي يفرضان تحديات جديدة أمام مكافحة الجرائم المالية
FATF تنقل المواجهة من مجرد التشريعات إلى قياس فعالية التطبيق
التكامل العربي والامتثال الذكي والاستثمار في الكفاءات ركائز حماية القطاع المصرفي
كريم سعيد حاكم مصرف لبنان:
الثقة «رأس مال» لا يظهر في الميزانيات.. وغسل الأموال يهدد أساس النظام المالي
«حلقات النار الثلاث» تغلق منافذ تسلل الأموال غير المشروعة
نتعاون مع بنك فرنسا لتنظيم الأصول الرقمية والعملات المشفرة بدلًا من حظرها
مليارات الدولارات المرتبطة بالفساد وPEPs لم تحظَ بالتدقيق الكافي
وسام محسن فتوح الأمين العام لاتحاد المصارف العربية:
التحدي لم يعد نقص الخبرات.. بل تحويل المعرفة إلى إجراءات ونتائج
الإرادة السياسية أساس أي مواجهة فعالة للجرائم المالية
مكافحة غسل الأموال مسؤولية مشتركة بين الدولة والقضاء والرقابة والقطاع المصرفي
«3 حلقات نار» لمواجهة الأموال غير المشروعة وإغلاق ثغرات النظام المالي
لبنان ينفذ خطة FATF بعد إدراجه على لائحة المراقبة المعززة في أكتوبر 2024
الإصلاحات التشريعية والعقوبات والبنوك المراسلة تتصدر أجندة المواجهة المصرفية
التحويلات والاستلامات النقدية فوق 10000 دولار تخضع لشروط رقابية صارمة
وضعت القيادات المصرفية والرقابية العربية ملف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في صدارة أجندتها، مع انطلاق أعمال المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب في بيروت، في وقت تتصاعد فيه المخاطر المرتبطة بالجرائم المالية العابرة للحدود، وتتسع دائرة التحديات مع الانتشار المتزايد للأصول الافتراضية والعملات المشفرة والتكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي، بما يفرض على البنوك والسلطات الرقابية تطوير أدواتها لملاحقة حركة الأموال وكشف المستفيد الحقيقي منها.
المؤتمر الذي يعقده اتحاد المصارف العربية في فندق فينيسيا إنتركونتيننتال بالعاصمة اللبنانية، جاء بمشاركة مسؤولين وقيادات مصرفية ورقابية وقضائية وخبراء من لبنان وعدد من الدول العربية، وبرعاية رئيس مجلس الوزراء اللبناني الدكتور نواف سالم، ليضع قضية غسل الأموال في إطار يتجاوز حدود «الامتثال المصرفي» التقليدي إلى حماية الثقة في الأنظمة المالية العربية وضمان استمرار ارتباطها بالنظام المالي العالمي.
وتكشف أجندة المؤتمر عن اتساع نطاق المواجهة؛ إذ لم يعد الخطر محصورًا في العمليات المصرفية المشبوهة بصورتها التقليدية، وإنما أصبح يمتد إلى تحديد المستفيد الحقيقي من الشركات والأموال، ومراقبة الأصول الافتراضية، والعقوبات الدولية، وعلاقات البنوك العربية مع البنوك المراسلة، فضلًا عن ضرورة تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق بين المصارف المركزية ووحدات المعلومات المالية والسلطات الرقابية والقضائية والأمنية.
ويأتي انعقاد المؤتمر في مرحلة تشهد تحولًا في الفلسفة العالمية لمكافحة غسل الأموال، مع تصاعد الاعتماد على النهج القائم على المخاطر Risk-Based Approach، بحيث توجه الموارد الرقابية إلى القطاعات والأنشطة الأكثر تعرضًا للمخاطر، بالتوازي مع تشديد متطلبات الشفافية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي Beneficial Ownership لمنع استغلال الشركات والكيانات القانونية في إخفاء الملكية الحقيقية للأموال غير المشروعة، وتشديد الرقابة على الأصول الافتراضية ومقدمي خدماتها.
الأهم أن المواجهة لم تعد تُقاس بامتلاك الدولة أو البنك مجموعة من القوانين واللوائح فقط، وإنما بمدى فعالية تطبيقها والنتائج التي تحققها على أرض الواقع؛ وهو التحول الذي يضع إدارات الامتثال والمخاطر في البنوك أمام مسؤولية أكبر، ويربط قوة النظام المصرفي بقدرته الفعلية على اكتشاف العمليات المشبوهة والتحقق من مصادر الأموال وملاحقة المستفيدين منها.
وتكتسب القضية بعدًا أكثر حساسية بالنسبة للبنوك العربية في علاقاتها مع المؤسسات المالية العالمية؛ فالبنوك المراسلة لم تعد تقيّم شركاءها وفق الملاءة والسيولة فقط، بل أصبحت قوة نظم مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وجودة الحوكمة والرقابة الداخلية وكفاءة إدارة المخاطر، عناصر أساسية في تقييم استمرار العلاقات المصرفية عبر الحدود.
ومن بيروت، بدت الرسالة المصرفية العربية واضحة: غسل الأموال لم يعد ملفًا فنيًا داخل إدارات الامتثال، بل أصبح قضية أمن اقتصادي وثقة وسيادة مالية؛ فأي ثغرة في منظومة الرقابة يمكن أن تتحول إلى بوابة تعبر منها الأموال غير المشروعة، وأي تراجع في معايير الامتثال قد تتجاوز كلفته الغرامات والعقوبات إلى تهديد علاقات المصارف بالنظام المالي العالمي.
وفي هذا السياق، وضع محمد الأتربي، رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية، خريطة واضحة للتحولات التي يشهدها ملف مكافحة غسل الأموال، مؤكدًا أن الجرائم المالية باتت تتحرك داخل بيئة أكثر تعقيدًا بفعل التطور التكنولوجي والجرائم العابرة للحدود واتساع استخدام الأصول الافتراضية والذكاء الاصطناعي.
وأكد الأتربي أن اتحاد المصارف العربية جعل مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في صدارة أولوياته الاستراتيجية، من خلال التعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية وتنظيم المؤتمرات والبرامج المتخصصة وتأهيل الكفاءات المصرفية، خاصة مسؤولي الامتثال وإدارة المخاطر، بهدف ترسيخ ثقافة الامتثال والحوكمة وتعزيز سلامة القطاع المصرفي العربي.
ويعكس ذلك تحولًا في مفهوم الامتثال نفسه؛ فبحسب الأتربي لم يعد الامتثال مجرد استجابة لمتطلبات رقابية، وإنما أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني وأحد أهم عناصر الثقة بالنظام المصرفي.
ويرتكز هذا التحول على المعايير التي وضعتها مجموعة العمل المالي FATF، والتي أصبحت إطارًا مرجعيًا عالميًا لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح ومعيارًا رئيسيًا لقياس سلامة الأنظمة المالية.
وشهدت هذه المعايير خلال السنوات الأخيرة تطورات مهمة، في مقدمتها تبني النهج القائم على المخاطر، بحيث تتركز الموارد الرقابية في القطاعات والأنشطة الأكثر تعرضًا للمخاطر، بدلًا من توزيع الجهد الرقابي بصورة متساوية.
كما تعززت متطلبات الكشف عن المستفيد الحقيقي من الشركات والكيانات القانونية لمنع استخدامها كغطاء لإخفاء الأموال غير المشروعة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الأصول الافتراضية ومقدمي خدماتها بعد اتساع استخدام العملات الرقمية في بعض الجرائم المالية، وزيادة أهمية تبادل المعلومات بين الجهات الرقابية ووحدات المعلومات المالية وأجهزة إنفاذ القانون.
البنوك المراسلة.. الاختبار الأصعب للثقة
ولم يغفل الأتربي واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة للقطاع المصرفي العربي، وهي العلاقات مع البنوك المراسلة الدولية، والتي تمثل عمليًا الجسر الذي يربط البنوك المحلية بالنظام المالي العالمي ويتيح تنفيذ التحويلات والتعاملات العابرة للحدود.
فالعلاقة بين البنك المحلي والبنك المراسل لم تعد تقوم على قوة المركز المالي والملاءة وحدهما، بل أصبحت تعتمد بصورة جوهرية على متانة أطر الامتثال، وكفاءة إدارة المخاطر، وفعالية أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وجودة الحوكمة والرقابة الداخلية.
وأوضح الأتربي أن البنوك المراسلة تقيّم شركاءها وفق أعلى المعايير الدولية لضمان سلامة العمليات المالية والحد من المخاطر والالتزام بالمتطلبات التنظيمية العالمية.
وتكشف هذه النقطة حجم التحول الذي طرأ على مفهوم المخاطر المصرفية؛ فضعف الامتثال لا يعني فقط احتمال توقيع غرامة على البنك، وإنما يمكن أن يتحول إلى خطر يهدد قدرته على تنفيذ معاملاته الدولية والوصول إلى العملات والأسواق الخارجية.
فتوح: الخبرات موجودة.. والتحدي
في تحويل المعرفة إلى فعل
أما الدكتور وسام حسن فتوح، الأمين العام لاتحاد المصارف العربية، فانتقل بالقضية من الجانب الفني إلى مستوى القرار والتنفيذ، مؤكدًا أن الاتحاد شارك خلال السنوات الماضية في مئات الاجتماعات مع البنوك المركزية والهيئات الرقابية والمؤسسات المالية الدولية والجهات الحكومية، وخرج من هذه التجربة بقناعة أساسية مفادها أن المشكلة لم تعد في نقص الخبرات.
فالمعايير الدولية معروفة، والحلول متاحة، والخبرات الفنية موجودة في لبنان ومعظم الدول العربية؛ وبالتالي لم يعد السؤال: «هل نعرف ما يجب فعله؟»، وإنما أصبح: هل توجد الإرادة الجامعة لفعل ما يجب فعله؟
ويرى فتوح أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في بناء منظومات قوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أو تمكنت من استعادة ثقة المجتمع المالي الدولي، كانت تمتلك قرارًا سياسيًا واضحًا وثابتًا يجعل الإصلاح أولوية وطنية.
وأكد أن مواجهة الجرائم المالية وتعزيز نزاهة النظام المالي مسؤولية وطنية مشتركة، لا تستطيع مؤسسة واحدة تحملها منفردة، وإنما تتطلب تكامل أدوار الحكومات والبنوك المركزية والقطاع المصرفي والسلطات القضائية والأمنية والرقابية.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية في ضوء اتساع الفجوة بين وجود التشريعات وبين تطبيقها الفعلي؛ فالدولة قد تمتلك قانونًا قويًا، والبنك قد يمتلك إدارة امتثال متطورة، لكن فاعلية المنظومة في النهاية تتوقف على قدرتها على تحويل القواعد إلى إجراءات فعلية، ثم تحويل الإجراءات إلى نتائج يمكن قياسها.
حاكم مصرف لبنان: «الثقة» رأس مال
لا يظهر في الميزانيات
ومن زاوية مختلفة، وضع كريم سعيد، حاكم مصرف لبنان، مفهوم الثقة في قلب المعركة ضد غسل الأموال، معتبرًا أن أي نظام مالي ناجح يقوم على ركيزتين: الأولى ملموسة، تتمثل في القوانين والأنظمة والمؤسسات الرقابية والبنية التحتية المالية من مصارف ووسطاء وأسواق؛ والثانية غير ملموسة لكنها الأعمق أثرًا، وهي الثقة.
ووصف سعيد الثقة بأنها رأس مال معنوي لا يظهر في أي ميزانية، رغم أن كل ما يبنيه النظام المالي يقوم عليها.
ومن هذا المنطلق، فإن غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا يمثلان مجرد جريمتين ماليتين يمكن التعامل معهما بإجراءات امتثال إضافية أو غرامات مالية، وإنما يمثلان وسيلة لاختراق الاقتصاد المشروع وإضعاف المؤسسات وتحويل النظام المالي من أداة لخدمة النمو إلى قناة لحماية الجريمة وتمويل العنف وتقويض سيادة القانون.
والخطر، وفق الرؤية التي طرحها حاكم مصرف لبنان، يكمن في أن الأموال غير المشروعة لا تختبر أقوى نقطة في النظام المالي، وإنما تبحث عن أضعف نقطة فيه؛ ومن ثم فإن قوة المنظومة لا تقاس بأكثر عناصرها تطورًا، وإنما بأكثر حلقاتها هشاشة.
«حلقات النار الثلاث» لإغلاق منافذ الأموال المشبوهة
ومن هذا المفهوم انطلقت مبادرة مصرف لبنان في عام 2025 تحت مسمى «حلقات النار الثلاث – The Three Rings of Fire»، وهي ليست ثلاث قواعد منفصلة، وإنما ثلاث دوائر رقابية متكاملة تستهدف إغلاق الثغرات التي يمكن أن تتسلل من خلالها الأموال غير المشروعة.
وتبدأ الحلقة الأولى عند حدود النظام المالي نفسه: من يحق له الدخول إليه؟ ومن يحق له إدارة مؤسسة مالية أو امتلاكها؟
وفي هذا الإطار، شدد مصرف لبنان شروط الترخيص والملاءة والحوكمة، خاصة في قطاع الصرافة ومؤسسات خدمات الدفع، وعزز متطلبات «اعرف عميلك»، بما يحول دون تسلل الجهات غير المشروعة إلى القطاع المالي النظامي.
وكشف حاكم مصرف لبنان أن أي تحويل أو استلام أموال نقدًا يتجاوز ألف دولار أمريكي أصبح يخضع لشروط رقابية صارمة.
أما الحلقة الثانية فتغلق الفجوة عند نقطة التقاء المصرف بالعميل، حيث لم تعد معرفة العميل والمستفيد الحقيقي لحظة فتح الحساب كافية.
فالعلاقة التي تبدأ بصورة مشروعة قد تتغير طبيعتها أو أنماط تعاملاتها أو الغرض منها، ولذلك عزز مصرف لبنان متطلبات المتابعة المستمرة لحركة الأموال بين المصارف والعملاء، بحيث تتم قراءة كل عملية داخل سياقها الكامل وليس كحدث منفصل.
وفي هذا السياق، يخضع أي تحويل أو استلام نقدي يتجاوز 10 آلاف دولار أمريكي لشروط دقيقة ومشددة من الرقابة والشفافية والمساءلة.
أما الحلقة الثالثة، وهي الأكثر حساسية، فتتعلق بعلاقات المصارف اللبنانية بالمصارف الأجنبية المراسلة، وتركز على حماية البنوك من مخاطر عدم الامتثال المرتبطة بالأموال الواردة من جهات مشبوهة أو خاضعة للعقوبات، وتعزيز القدرة على تحديد مصدر الأموال وغايتها الاقتصادية.
وهنا ترتفع تكلفة الخطأ بصورة كبيرة؛ فالتصدع في الحلقتين الأولى أو الثانية يضعف السيطرة الداخلية على النظام المالي، بينما قد يعني التصدع في الحلقة الثالثة خطر خروج النظام المصرفي الوطني من النظام المالي العالمي.
الفساد وPEPs.. أموال بمليارات الدولارات تحت المجهر
وطرح حاكم مصرف لبنان قضية أخرى شديدة الحساسية تتعلق بالأموال المرتبطة بالفساد وتحويلات الأشخاص المعرضين سياسيًا PEPs.
وأشار إلى أن جهودًا رقابية واسعة خلال العقود الماضية تركزت على مخططات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، بينما لم تحظ مليارات الدولارات المرتبطة بالفساد والتحويلات التي يجريها الأشخاص المعرضون سياسيًا بالمستوى نفسه من الاهتمام والتدقيق.
وأكد أن الأموال المرتبطة بتمويل الإرهاب، والأموال الناتجة عن اختلاس الأموال العامة والخاصة وتحويلها في إطار فساد تجاري أو سياسي، تتساوى في درجة الخطورة، ويجب التعامل معها بالقدر نفسه من الحزم والصرامة محليًا ودوليًا.
التكنولوجيا والعملات المشفرة.. الجريمة تبحث عن الطريق الأقل تنظيمًا
لكن أخطر التحولات ربما يأتي من التكنولوجيا.
فالتطور المتسارع في التكنولوجيا المالية والأصول الرقمية والعملات المشفرة يخلق باستمرار تحديات جديدة أمام مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد والرشوة.
فالمال غير المشروع، كما أكد حاكم مصرف لبنان، يتجه بطبيعته إلى الوسائل الأحدث والأقل تنظيمًا، أو إلى قطاعات وتقنيات ناشئة لم تكن في الأصل جزءًا من النظام المالي التقليدي.
ولهذا اتجه مصرف لبنان إلى إخضاع مؤسسات الدفع والتحويل والمحافظ الرقمية والمؤسسات المالية غير المصرفية لأطر رقابية محدثة، انطلاقًا من قاعدة أن الأنشطة المالية المتشابهة يجب أن تخضع لمتطلبات رقابية تتناسب مع المخاطر التي تولدها.
وفي تطور مهم، كشف حاكم مصرف لبنان عن العمل حاليًا، بالتعاون مع بنك فرنسا المركزي Banque de France، على إعداد مجموعة من التعاميم والأطر التنظيمية الجديدة للتعامل مع الأصول الرقمية والعملات المشفرة، في ظل عدم وجود إطار تشريعي حالي في لبنان ينظم هذه الأنشطة.
وتقوم المقاربة على التنظيم والرقابة وليس الحظر، مع تعزيز متطلبات الإبلاغ عن العمليات المشبوهة ودمج الأنشطة الجديدة داخل المنظومة الرقابية وفق المعايير الدولية.
لبنان يتحرك للخروج من «اللائحة الرمادية»
ويكتسب المؤتمر أهمية إضافية في ضوء تحركات لبنان لمعالجة أوجه القصور في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بعد إدراجه على لائحة المراقبة المعززة لمجموعة العمل المالي FATF في أكتوبر 2024.
ويعمل مصرف لبنان بالتعاون مع السلطات اللبنانية المعنية، بما فيها وزارات المالية والعدل والداخلية وبالتنسيق مع رئاسة الوزراء، على تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع FATF.
وأكد حاكم مصرف لبنان أن التعامل مع هذه الخطة لا يتم باعتبارها مجرد مطلب خارجي، وإنما باعتبارها استحقاقًا داخليًا وفرصة وطنية لمعالجة أوجه القصور وإثبات فعالية المنظومة بنتائج قابلة للقياس والتحقق.
وهنا تظهر نقطة جوهرية: النجاح لا يقاس بعدد التقارير التي ترفعها المؤسسات المالية.
المقياس الحقيقي، وفق مصرف لبنان، هو عدد التحقيقات التي تصل بالفعل إلى القضاء، والملاحقات التي تنتهي بإدانات، والأموال غير المشروعة التي تتم مصادرتها فعليًا.
المعركة إقليمية.. وأضعف حلقة تحدد قوة النظام كله
ولا تتوقف القضية عند الحدود اللبنانية
فالأموال غير المشروعة بطبيعتها عابرة للحدود؛ وإذا أغلقت دولة منفذًا أمامها، فإنها تبحث عن دولة أقل صرامة أو سلطة أقل تنسيقًا أو قناة مالية لا يشملها التعاون الرقابي.
ولذلك فإن قوة المنظومة الإقليمية لا تقاس بأقوى مصرف مركزي أو بأكثر البنوك تطورًا، وإنما بمدى قدرة المنطقة كلها على إغلاق حلقات الضعف.
ودعا حاكم مصرف لبنان إلى الانتقال بالتعاون العربي من مجرد تبادل المواقف إلى إنشاء قنوات أسرع لتبادل المعلومات، وتنسيق أوثق بين المصارف المركزية ووحدات المعلومات المالية والسلطات القضائية، وتعاون دائم بين السلطات الرقابية.
وهي الرؤية نفسها التي يتبناها اتحاد المصارف العربية، الذي يرى أن مستقبل العمل المصرفي العربي في مواجهة الجرائم المالية يجب أن يرتكز على ثلاثة محاور: التكامل العربي، والامتثال الذكي، والاستثمار المستمر في الكفاءات البشرية.
وتأتي هذه التحركات امتدادًا لنشاط عربي أوسع يقوده الاتحاد في ملف الامتثال ومكافحة الجرائم المالية؛ إذ سبق أن طرح في فعاليات مصرفية عربية قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعلاقات البنوك المراسلة، والتشريعات المحلية والدولية، باعتبارها مكونات مترابطة لبناء قطاع مصرفي أكثر قدرة على التعامل مع المخاطر الجديدة.
وفي المحصلة، فإن الرسالة التي تخرج من بيروت تتجاوز مؤتمرًا مصرفيًا يستمر يومين. فالقطاع المالي يدخل مرحلة تصبح فيها الثقة أصلًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن رأس المال والسيولة، بينما أصبحت جودة الامتثال جزءًا من القدرة التنافسية للبنك والدولة معًا.
والتحول الأكبر أن مواجهة غسل الأموال لم تعد سباقًا بين المجرم والقانون فقط؛ وإنما أصبحت سباقًا بين سرعة المال وسرعة الرقابة، وبين التكنولوجيا التي تتيح تحويل الأموال وإخفاء مساراتها وبين التكنولوجيا التي تستطيع كشفها، وبين اقتصاد عالمي يحتاج إلى حرية حركة رؤوس الأموال ونظام رقابي مطالب في الوقت نفسه بمعرفة مصدر هذه الأموال والمستفيد الحقيقي منها.
ومن هنا تبدو المعادلة التي وضعها المؤتمر أمام المصارف العربية أكثر صرامة من أي وقت مضى: كلما أصبحت حركة الأموال أسرع وأكثر رقمية وعابرة للحدود، أصبح الحفاظ على الثقة أكثر تكلفة، وأصبحت الثغرة الصغيرة قادرة على إحداث خسارة تتجاوز البنك نفسه إلى سمعة النظام المالي بأكمله.
فالثقة، كما خلص حاكم مصرف لبنان، لا تستعاد بمجرد الإعلان عن الإصلاح، وإنما عندما يرى المستثمر والشريك الدولي أن القواعد واضحة، والعقوبات صارمة، وأن تطبيقها يتم على الجميع دون استثناء.




